الرئيسية
برامج التدريب
انشطة المعهد
شواغر
المنشورات
مرافق المعهد
المكتبة
خريطة الموقع
عن ماس

الكساد الأعظم/ كساد كورونا الكبير

Source: https://www.project-syndicate.org/commentary/coronavirus-greater-great-depression-by-nouriel-roubini-2020-03
Author: NOURIEL ROUBINI
Date: Mar 24, 2020

الاقتصادي نوريل روبيني يعتبر من الاقتصاديين القلائل الذين تتبؤا بحدوث الازمة المالية العالمية في عام 2008، وفي كتابه الشهير (Crisis Economics)، والذي تناول فيه الازمات الاقتصادية بدءا من الكساد الكبير في 1929 الى الازمة المالية العالمية في 2008، تطرق الى أسباب هذه الازمات والى النتائج المترتبة عنها على الاقتصاد العالمي. وفي خضم الازمة الحالية نتيجة انتشار فيروس كورونا (COVID-19) وفي ظل عدم المقدرة على السيطرة عليه والحد من انتشاره، فإن نوريل روبيني يرى ان الخسائر الاقتصادية المترتبة على هذه الجائحة ستكون أكبر من الخسائر الناجمة عن الازمات السابقة.
ففي الكساد الكبير وفي الازمة المالية العالمية 2008 تدهورت أسواق الأسهم (البورصات) بنحو 50% او اكثر، وقد ترتب على ذلك حدوث حالة نستطيع وصفها بالجمود في أسواق الائتمان (investment-grade bonds, junk bonds, and short-term commercial paper)، ونجم عن التوقف عن حالة الائتمان حالات افلاس عديدة، وفي الازمتين السابقتين كذلك شهدت معدلات البطالة ارتفاعا يفوق 10%، ورافق ذلك ايضا انكماش في الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي يفوق 10%. هذه الآثار استغرقت حوالي ثلاث سنوات لتتحقق، بالمقابل وفي غضون ثلاثة أسابيع شهد الاقتصاد العالمي تداعيات اقتصادية ومالية وخيمة غير متوقعة.
فقد استدل نوريل في استقرائه على أن الآثار التي ستتركها هذه الازمة على الاقتصاد اشد فتكا من سابقاتها، بالأرقام المستجدة التي شهدتها المؤشرات أعلاه منذ بداية الشهر الجاري، فلقد انخفضت سوق الأسهم الامريكية بنسبة 35% عن أعلى مستوى سجلته قبل بدء الازمة، وقد تبع ذلك تزايد في حركة سوق الائتمان، وخصوصا الارتفاع الحاصل على الائتمان (junk bonds) والذي سجل مستويات قريبة من العام 2008، وبحسب توقعات الشركات المالية كجولدمان ساكس وجيه بي مورجان ومورجان ستانلي فإن الناتج المحلي الإجمالي الأميركي سينخفض بنحو 6% في الربع الأول، وما بين 24% إلى 30% في الربع الثاني. وبحسب وزير الخزانة الأميركي ستيف منوشين، يتوقع أن معدل البطالة سوف يرتفع بما يزيد عن نحو 20% (ضعف ما كان عليه في الأزمة المالية العالمية).
ومن وجهة نظره فإن النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة وأروبا والصين لم يشهد هذه الحالة من الجمود في الازمات السابقة، وكما يرى ان السيناريو الأمثل لهذه الازمة يتمثل في أن تكون الآثار المترتبة عنها شبيهه بالآثار التي نجمت عن الازمة المالية العالمية والمتمثلة في انخفاض الإنتاج العالمي ولفترة محدودة من الزمن. هذه المعطيات إن تحققت ربما ستتيح الفرصة لتحقيق نمو متوقع في آخر ربع من العام الجاري. وليتحقق هذا السيناريو لا بد من تحقيق مجموعة من الشروط.
أولا: يجب على الولايات المتحدة وأوروبا اتباع نفس التدابير التي انتهجتها الصين في مواجهة هذه الجائحة (الحجر الصحي القسري، والإغلاق الكامل، ...).
ثانياً: اعتماد السياسة النقدية غير التقليدية وذلك لأن أدوات السياسة النقدية التقليدية لن تكون فعالة في تحقيق الأهداف المرجوة، وتستخدم هذه السياسة الأدوات التالية لتحقيق أهدافها: خفض أسعار فائدة الى الصفر أو ما دون ذلك، والتيسير الكمي، والتيسير الائتماني (شراء الأصول الخاصة)، وذلك من أجل دعم البنوك، والمؤسسات المالية غير المصرفية، وصناديق أسواق المال، والشركات الكبرى (commercial paper and corporate bond facilities). ومن أجل احتواء النقص الهائل في سيولة الدولار في الأسواق العالمية قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتوسيع (cross-border swap lines)، ويرى روبيني انه لا بد من مزيد من التسهيلات لتشجيع البنوك على إقراض المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تفتقر إلى السيولة لكنها لا تزال قادرة على الوفاء بديونها.
ثالثاً: يجب ان تقوم الحكومات بحوافز مالية ضخمة، والتي يجب أن تضمن توزيع مساعدات نقدية للأسر من أجل مجابهة هذه الصدمة الاقتصادية، وهذا الإجراء في الدول المتقدمة سيترتب عليه ارتفاع في نسبة العجز المالي من الناتج المحلي الإجمالي الى نحو 10% (أي بارتفاع يقارب 8 نقاط مئوية عن المستويات الحالية)، وهذا الاجراء سوف يدعم القطاع الخاص ويساعده على تجنب الانهيار.
ونوه روبيني على أن هذه التدخلات الممولة بالعجز لا يجب أن يتم تمويلها من خلال سياسات الدين الحكومي الاعتيادية (يجب أن تكون ذات طابع نقدي تام) لأن ذلك سيترتب عليه ارتفاع حاد في أسعار الفائدة وبالتالي سيقوض من فرص عملية التعافي للاقتصاد المرجو تحقيقها. ومن وجهة نظره، بناء على المعطيات الحالية فإن العديد من الدول المتقدمة لا تسمح مقوماتها الحالية بتحقيق الشروط أعلاه، وهذا بدوره سيزيد من احتمالية الوصول الى سيناريو أسوأ من الكساد الكبير.
وكما يرى نورييل أن التدخلات المالية الممولة بالعجز ربما سينجم عنها تضخم حاد، خصوصا إذا حدت صدمة جانب العرض والمرافقة لانتشار الفيروس من فرص النمو المحتمل. وسيزداد الوضع سوءا في البلدان التي لا تستطيع الاقتراض بعملتها المحلية (من سيقوم بإنقاذ حكومات تلك البلدان إن لم يحصل النمو المطلوب).
ويرى روبيني أن الاقتصاد العالمي سوف يشهد حالات جديدة من التأزم مستقبلا حتى وبعد الانتهاء من الجائحة الحالية وتداعياتها الاقتصادية، وخصوصا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، فالأزمة الحالية من وجهة نظره جددت الصراع بين الغرب والقوى الأربع: الصين، وروسيا، وإيران، وكوريا الشمالية، إذ ان هذه الدول تستخدم حرب الانترنت (Cyberwarfare) لتقويض الولايات المتحدة من الداخل. حرب الانترنت التي تشنها هذه الدول من شأنها ان تؤثر على العملية الانتخابية في الولايات المتحدة وان تودي بنهاية المطاف الى اندلاع أعمال عنف واضطرابات مدنية. بالتالي يرى روبيني أن إحدى تداعيات الازمة الحالية ستتمثل في تسريع عملية تفكيك الاقتصاد العالمي في الفترة المقبلة والاتجاه الى ما يسمى بالبلقنة وهو تعبير يقصد به التجزئة القائمة على استغلال القوميات الصغيرة والتي تؤدي في النهاية إلى نشوء دول جديدة مستقلة على حساب منطقة موحدة جغرافياً، وكانت تعيش في الماضي ضمن إطار إداري وسياسي موحد.
يختتم نورييل روبيني مقالته أن فرص دفع الاقتصاد العالمي إلى كساد مستمر، والى انهيار الأسواق المالية ما تزال قائمة خاصة في ظل احتمالية انتشار الأوبئة التي لا يمكن السيطرة عليها، وعدم كفاية السياسات الاقتصادية الحالية، بالإضافة الى وجود الأزمات الجيوسياسية الحالية. وكما يرى ان في الازمة المالية عام 2008، عملت بعض التدخلات والاستجابات على انتشال الاقتصاد العالمي من الهاوية، ولكن ربما هذه المرة لن يكون الحظ حليفنا.